محمد متولي الشعراوي
3915
تفسير الشعراوى
سبيل الحق ؛ إن تلك قضية لست فيها بدعا من الرسل ؛ لأن هذه المسألة قضية سائدة مع كل رسول في موكب الإيمان ، و « كذلك » أي كما جعلنا في مكة مجرمين يمكرون جعلنا في كل قرية سبقت مع رسول سبق هذه المسألة ، فلم تكن بدعا من الرسل . وحيث إنك لم تكن بدعا من الرسل فلتصبر على ذلك كما صبر أولو العزم من الرسل . وأنت أولى منهم بالصبر ؛ لأن مشقاتك على قدر مهمتك الرسالية في الكون كله ، فكل رسول إنما جاء لأمة محدودة ليعالج داء محدودا في زمان محدود . وأنت قد جئت للأمر العام زمانا ومكانا إلى أن تقوم الساعة ، فلا بد أن تتناسب المشقات التي تواجهك مع عموم رسالتك التي خصك اللّه بها . وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها . . ( 123 ) [ سورة الأنعام ] والإجرام هو مأخوذ من مادة « الجيم » و « الراء » و « الميم » ، الجرم والجرم والجريمة . فيها معنى القطع . و « مجرميها » جمع مجرم ، ومجرم من أجرم ، وأجرم أي ارتكب الجرم والجريمة ، ومعنى ذلك أنه قطع نفسه بالجريمة عن مجتمعه الذي يعايشه ، فهو يعزل نفسه لا لمصلحة لأحد إلا لمصلحته هو ، فكأنه قام بعملية انعزال اجتماعي ، وجعل كل شئ لنفسه ، ولم يجعل نفسه لأحد ؛ لأنه يريد أن يحقق مرادات نفسه غير مهتم بالنتائج التي تترتب على ذلك . إذن فالإجرام هو الإقدام على القبائح اقداما يجعل الإنسان عازلا نفسه عن خير مجتمعه ؛ لأنه يريد كل شئ لنفسه . وما دام يريد كل شئ لنفسه فعامل التسلط موجود فيه ، ويرتكب الرذائل . ولأنه يرتكب الرذائل فهو يريد من كل المجتمع أن تنتشر فيه مثل هذه الرذائل ؛ كي لا يشعر أن هناك واحدا أحسن منه . . . لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 123 ) [ سورة الأنعام ] والمكر - كما نعرف - مأخوذ من التفاف الأغصان بعضها على بعض التفافا بحيث لا تستطيع إذا أمسكت ورقة من أعلى أن تقول هذه الورقة من هذا الفرع ؛ لأن الأغصان والفروع ملفوفة ومتشابكة ومجدولة بعضها مع بعض . والماكر يصنع ذلك